بنو أمية... تاريخ لا يُختزل بأنشودة
لو أردتُ شخصيًا أن أختصر حقبة الدولة الأموية بجملة واحدة، لقلت:
«هي دولة إسلامية بدأت من المشرق وامتدت إلى المغرب، وصنعت واحدة من أعظم مراحل التاريخ الإسلامي.»
بدأت الدولة الأموية مع معاوية بن أبي سفيان، أحد كتّاب الوحي للنبي ﷺ، والذي كان له دور بارز في تأسيس قوة الدولة الإسلامية البحرية، وفي إدارة الدولة وترسيخ مؤسساتها، كما شهد عصره امتداد المواجهة مع الدولة البيزنطية ومحاولات الوصول إلى القسطنطينية.
ثم جاء من بني أمية رجال تركوا بصمات عميقة في تاريخ الدولة، ومن أبرزهم عبد الملك بن مروان، الذي شهد عهده مرحلة مهمة من بناء مؤسسات الدولة، وتعريب الدواوين، وإصدار العملة الإسلامية، وتعزيز مركزية الإدارة ووحدة الدولة.
ثم نصل إلى واحد من أكثر الشخصيات إثارة للإعجاب في التاريخ الإسلامي: عبد الرحمن الداخل.
وما أدراك ما عبد الرحمن الداخل؟
ذلك الرجل الذي نجا من سقوط الدولة الأموية في المشرق، وقطع الصحارى والبلدان، وعاش سنوات من المطاردة والغربة، حتى وصل إلى الأندلس، وهناك استطاع أن يؤسس دولة أموية جديدة سنة 756م، لتتحول الأندلس لاحقًا إلى واحدة من أهم مراكز الحضارة والعلم والثقافة في العالم.
لم يكن بنو أمية مجرد أسرة حكمت فترة من الزمن.
لقد أسسوا دولة واسعة امتدت من حدود الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، وطوروا الإدارة، وعربوا الدواوين، وضربوا العملة الإسلامية، وفتحوا الأمصار، وأسهموا في انتشار العربية والإسلام في مناطق شاسعة، وربطوا شعوبًا ومدنًا ومساحات جغرافية واسعة ضمن دولة واحدة.
وبالطبع، مثل أي دولة امتدت لعقود طويلة، كانت للدولة الأموية أخطاؤها وصراعاتها وأحداثها التي يناقشها المؤرخون إلى اليوم، ولا ينبغي أن يتحول التاريخ إلى تقديس مطلق ولا إلى شيطنة مطلقة.
لكن ما يزعجني اليوم هو أن يُهاجم هذا التاريخ في أنشودة على موقع يوتيوب، ثم يأتي الرد عليها بأنشودة أخرى على اللحن نفسه، مع تغيير الكلمات فقط!
إذا أردنا أن ندافع عن تاريخنا، فهل يكون دفاعنا مجرد تقليد لمن نختلف معهم؟
حتى اللحن لا نبتكر له بديلًا!
أين البحث؟ أين الكتاب؟ أين الفيلم الوثائقي؟ أين الدراما التاريخية؟ أين المقال؟ أين الإنتاج الثقافي الذي يقدم هذه المرحلة للأجيال بطريقة علمية وجذابة؟
التاريخ لا يُدافع عنه بالصراخ، ولا بالشعارات، ولا بتحويل الشخصيات والدول إلى مادة لمناكفات طائفية أو سياسية معاصرة.
بنو أمية تاريخ دولة وحضارة وتجربة سياسية كبرى، وليسوا مجرد أنشودة نرددها أو نرد عليها بأنشودة.
ومن أراد أن ينتصر لتاريخه، فليقرأه أولًا، وليفهمه، ثم ليقدمه للناس بعلم وإبداع واحترام للعقل.
فالحضارات تُخلّد بما صنعت، لا بما قيل عنها في سجالات مواقع التواصل.
💬 التعليقات
0 تعليق✍️ اكتب تعليقك